القمر الدموي: بين حقائق العلم ورهبة الأساطير التي تطارد الشرق الأوسط
تستعد منطقة الشرق الأوسط في مساء الأحد السابع من سبتمبر 2025 لمشهد سماوي مهيب يجمع اكتمال البدر مع كسوف قمري كلي نادر، وهي ظاهرة تعرف عالميًا باسم "القمر الدموي". هذا الحدث الذي يحول القمر إلى قرص أحمر داكن هو ما يُعرف فلكياً باسم خسوف القمر الدموي. هذا المشهد الطبيعي يثير اهتمام المتابعين في مختلف الدول ويصبح مادة دسمة لـ أخبار منوعة من العالم، حيث يمتزج العلم بالخيال، وتتصارع الحقائق الفلكية مع الأساطير القديمة والتوقعات المعاصرة. وسيكون سكان مناطق واسعة، خاصة شرق المتوسط (بيروت ودمشق نموذجاً)، على موعد مع متابعة مراحل الكسوف إذا كانت السماء صافية، بدءاً من الساعة 09:08 مساء بتوقيت بيروت (18:08 بتوقيت غرينتش).
🔬 العلم وراء اللون الأحمر: تشتت الغلاف الجوي
إن تحول القمر إلى اللون الأحمر الداكن ليس سحراً، بل هو نتيجة مباشرة للعبة فلكية كونية دقيقة وخصائص غلافنا الجوي. تحدث الظاهرة عندما تصطف الشمس والأرض والقمر في خط واحد، فتكون الأرض في المنتصف وتحجب أشعة الشمس عن الوصول إلى القمر.
لماذا اللون الأحمر؟
-
فلترة الغلاف الجوي: يمر ضوء الشمس عبر الغلاف الجوي للأرض قبل أن يصل إلى القمر.
-
تشتت الألوان: يتشتت الضوء ذو الموجات القصيرة (الأزرق والأخضر) بفعل جزيئات الغبار والهواء في الغلاف الجوي (وهو ما يجعل السماء تبدو زرقاء نهاراً).
-
مرور الموجات الطويلة: تمر الموجات الأطول (الأحمر والبرتقالي) وتنعكس بفعل الانكسار على سطح القمر، ليعكسها القمر إلينا بلون نحاسي متوهج أو أحمر قاتم، وكأنه مضرج بالدماء.
لو كانت مدارات الأرض والقمر مثالية تماماً لكسف القمر في كل شهر، لكن ميل مدار القمر بدرجتين عن مدار الأرض حول الشمس يجعل ظاهرة الكسوف الكلي أقل تكراراً، ما يزيد من ندرة وجمالية هذا المشهد.
🌾 "بدر الحصاد" ورمزيته الزراعية
في تقويم المزارعين الأميركيين والأوروبيين، يعرف هذا البدر تحديداً باسم "بدر الحصاد" (Harvest Moon). وتأتي هذه التسمية نتيجة ارتباطه عملياً بمواسم جمع المحاصيل.
كان هذا البدر يمثل مناسبة ذات رمزية مهمة لعدة أسباب عملية:
-
الإضاءة الإضافية: كان القمر يشرق باكراً بعد غروب الشمس مباشرة، ويظل مشرقاً لليالٍ متتالية، ما كان يمنح الفلاحين ساعات عمل إضافية تحت نوره لإنجاز جمع المحاصيل قبل حلول الشتاء.
-
الارتباط بالمواسم: تزامن الكسوف والبدر مع مواسم الذرة وحصادها أضاف إليه معتقدات وقصصاً شعبية حول علاقة القمر بوفرة المحصول.
📱 بين المختبر والتنجيم: الفضاء الرقمي وطاقة القمر
على النقيض من الحقائق الفلكية، لا يزال "البدر الدموي" مادة خصبة للتأويل والخيال، خاصة في الفضاء الرقمي المعاصر.
تأثير المنجمين المعاصرين
أخذت الظاهرة حيزاً واسعاً في توقعات المنجمين وكتاب الأبراج في العالم العربي والغربي، الذين يستخدمون لغة تمزج بين التحليل الفلكي (بشكل سطحي) والتحذيرات النفسية:
-
التشابك الطاقي: يصف البعض الظاهرة بأنها محطة "تتشابك فيها الطاقات الكونية".
-
التحذيرات الشخصية: ينصحون بتجنب القرارات المصيرية، والحذر من "الاندفاع"، أو "تأجيل التوقيع على العقود"، أو توقع "توتر عاطفي" لمواليد برج معين.
-
طقوس التحرر: يتحدثون عن "طاقة التحرر" التي يحملها اللون الأحمر للقمر، مشجعين على ممارسة طقوس شخصية مثل كتابة النيات للتخلص من أثقال الماضي.
هذا التوجه له جمهور واسع يزداد عدداً، وهو ما يعكس ظاهرة أشار إليها عالم الاجتماع ماكس فيبر باسم "نزع السحر عن العالم"، حيث يحتاج الإنسان المعاصر إلى شرارة تعيد وصل الواقع بالعالم الماورائي، ويلعب "القمر الدموي" دور هذه النافذة على إحساس قديم بالرهبة. وتؤكد الإحصائيات هذا الميل، إذ أظهر استطلاع لمؤسسة "بيو" أن 27% من البالغين في الولايات المتحدة يؤمنون بتأثير النجوم والكواكب، ووصل الإيمان بالتنجيم في فرنسا إلى 41% عام 2020، لاسيما بين فئة الشباب.
🏛️ الأساطير القديمة: دلالات الدم والنهاية
لم يكن القمر الأحمر مجرد مشهد فلكي عند الشعوب القديمة، بل كان إنذاراً سماوياً يحمل دلالات الخوف والقداسة.
صراعات الآلهة والقرابين البشرية
-
مصر القديمة وبابل: في مصر، كان الكهنة يظنون أن أفعى سماوية تحاول ابتلاع القمر حين يحمر لونه، ما يتطلب تدخل الإله "رع" لإنقاذه. وعند البابليين والآشوريين، كان احمرار وجه إله القمر "سين" دليلاً على غضب الآلهة وضرورة تقديم الطقوس والقرابين لدرء الكارثة.
-
الأزتيك والمايا: لدى حضارات أمريكا القديمة، كان التفسير أشد قسوة؛ إذ رأوا في احمرار القمر دلالة على طلب الآلهة للدماء والقرابين البشرية لدرء الحروب والأمراض، للحفاظ على التوازن الكوني، وهي طقوس صورت في أعمال سينمائية عالمية.
علامة نهاية الزمن
أما في أوروبا، فارتبط القمر الدموي بعلامة على نهاية الزمن. فقد وردت إشارة في العهد الجديد إلى أن "الشمس تتحول إلى ظلام والقمر إلى دم"، ما جعل الكسوف الأحمر يُقرأ كإشارة إلى قرب يوم الحساب. ولهذا، كان سكان القرون الوسطى يهرعون إلى الكنائس للصلاة خوفاً من قرب النهاية.
✨ خاتمة: القمر كمرآة للقلق البشري
يظل القمر الدموي ظاهرة تجمع بين جمال العلم ورهبة التاريخ. فبينما يقدم الفلكيون تفسيراً دقيقاً لانكسار الضوء في الغلاف الجوي، تظل هذه الظاهرة نافذة للعالم على مخزون هائل من الأساطير والمعتقدات التي تعكس قلق الإنسان الدائم من المجهول ومحاولته ربط الأحداث الكونية بحياته اليومية ومصيره. إن استمرار هذا التفاعل بين العلم والخيال يؤكد أن القمر سيظل مصدراً للدهشة، ومرآة للروح البشرية التي تبحث عن المعنى في كل ما هو عظيم ونادر.





















محمد سعيد: رحلة الروح إلى أعماق الفلسفة
ضياء رشوان: مرة أخرى أكاذيب الإخوان الخمس
ماريا معلوف: انتخابات الحزب الجمهوري.. ما بين قلق السباق وطيف ترامب
عمرو الشوبكي: العالم وحقوق الإنسان